ابن قيم الجوزية
86
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
الصنف الأول : نفاة الحكم والتعليل ، الذين يردون الأمر إلى محض المشيئة ، وصرف الإرادة . فهؤلاء عندهم القيام بها ليس إلا لمجرد الأمر من غير أن يكون سببا لسعادة في معاش ولا معاد ، ولا سببا لنجاة ، وإنما القيام بها لمجرد الأمر ومحض المشيئة ، كما قالوا في الخلق : إنه لم يخلق ما خلقه لعلة ، ولا لغاية هي المقصود به ، ولا لحكمة تعود إليه منه ، وليس في المخلوقات أسباب مقتضيات لمسبباتها ، ولا فيها قوى ولا طبائع ، فليست النار سببا للإحراق ، ولا الماء سببا للإدواء والتبريد ، وإخراج النبات ، ولا فيه قوة ولا طبيعة تقتضي ذلك ، وحصول الإحراق والري ليس بهما ، لكن بإجراء العادة الاقترانية على حصول هذا عند هذا ، لا بسببه ولا بقوة قامت به ، وهكذا الأمر عندهم في أمره الشرعي سواء ، لا فرق في نفس الأمر بين المأمور والمحظور ، ولكن المشيئة اقتضت أمره بهذا ونهيه عن هذا ، من غير أن يقوم بالمأمور به صفة اقتضت حسنه ، ولا المنهي عنه صفة اقتضت قبحه . ولهذا الأصل لوازم وفروع كثيرة فاسدة . وقد ذكرناها في كتابنا الكبير المسمى ( بمفتاح دار السعادة ومطلب أهل العلم والإرادة ) وبينا فساد هذا الأصل من نحو ستين وجها ، وهو كتاب بديع في معناه . وذكرناه أيضا في كتابنا المسمى ( بسفر الهجرتين وطريق السعادتين ) . وهؤلاء لا يجدون حلاوة العبادة ولا لذتها ، ولا يتنعمون بها ، وليست قرة أعينهم ، وليست الأوامر سرور قلوبهم ، وغذاء أرواحهم وحياتهم ، ولهذا يسمونها تكاليف . أي قد كلفوا بها ، ولو سمى مدع لمحبة ملك من الملوك أو غيره ما يأمره به تكليفا ، وقال : إني إنما أفعله بكلفة ، لم يعده أحد محبا له ، ولهذا أنكر هؤلاء - أو كثير منهم - محبة العبد لربه . وقالوا : إنما يحب ثوابه وما يخلقه له من النعيم الذي يتمتع به ، لا أنه يحب ذاته . فجعلوا المحبة لمخلوقه دونه . وحقيقة العبودية : هي كمال المحبة ، فأنكروا حقيقة العبودية ولبّها . وحقيقة الإلهية : كونه مألوها محبوبا بغاية الحب ، المقرون